الأدب والإمبريالية: من دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف إلى تهميش الثقافة الأمازيغية في المغرب

مقدمة

 تحليل الأدب من منظور ما بعد الاستعمار (Post-colonialism) يكشف كيف يمكن للأعمال الأدبية والمفكرين أن يدعموا الإمبريالية ويُهمّشوا الثقافات الأصلية. في أوكرانيا، تتم مراجعة الأدب الروسي الكلاسيكي حالياً وتاريخياً من هذا المنظور. وبالمثل، يناقش المثقفون الأمازيغ في المغرب تأثير الأدب والسياسات التي حاولت طمس هويتهم، سواء من قبل الاستعمار الفرنسي أو الحركات القومية العربية الدخيلة والتي أبدا لم تنبعث من رجالات الأرض المغربية.



تحليل مستنداً إلى النقد الثقافي والتاريخي لهذه السياقات:

- الأدب الروسي في السياق الأوكراني (دوستويفسكي، تولستوي، تشيخوف):

في الخطاب الثقافي الأوكراني المعاصر، يُنظر إلى هؤلاء الكتاب على أنهم ساهموا في ترسيخ "الأسطورة الإمبراطورية الروسية". من أبرز المصادر والدراسات في هذا المجال كتاب الباحثة إيفا تومبسون "المعرفة الإمبريالية: الأدب الروسي والاستعمار" (Imperial Knowledge)، وأعمال الكاتبة الأوكرانية أوكسانا زابوجكو (Oksana Zabuzhko)، والناقدة فيرا أغيفا (Vira Ageyeva).

"فيودور دوستويفسكي:" يُنتقد بشدة في النقد الأوكراني بسبب الشوفينية والقومية الروسية المتطرفة (Russian messianism) في أعماله ومقالاته. روّج دوستويفسكي لفكرة "الروح الروسية" التي يحق لها استيعاب وقيادة الشعوب السلافية الأخرى، مع احتقاره وتهميشه للثقافات المجاورة (كالبولنديين، والأوكرانيين، واليهود)، مما وفر تبريراً أخلاقياً للتوسع الإمبراطوري الروسي.

"ليو تولستوي:" رغم نزعته السلمية، إلا أن أعماله الكلاسيكية (مثل "الحرب والسلام" و"القوقازيون") تتبنى وجهة النظر الإمبراطورية. فهو يُضفي طابعاً رومانسياً على الغزو الروسي للقوقاز وأوروبا الشرقية، ويُظهر الشعوب المستعمرة كخلفية باهتة لبطولات الضباط الروس أو كشعوب تحتاج إلى التمدين الروسي.

"أنطون تشيخوف:" رغم أن جذوره ترتبط بأوكرانيا، يشير النقاد الأوكرانيون إلى أنه تبنى النظرة الاستعلائية للمركز (موسكو/سانت بطرسبرغ). في كتاباته، تم تصوير الأوكرانيين بشكل نمطي ساخر (باستخدام مصطلحات مهينة مثل "خوخول")، وتُعامل ثقافتهم كمجرد فلكلور إقليمي ومقاطعة تابعة، مما ساهم في محو الهوية الوطنية الأوكرانية المستقلة.

- أعداء الثقافة الأمازيغية في المغرب (السياق الفرنسي والعربي):

كما عانت الثقافة الأوكرانية من الهيمنة الروسية، عانت الثقافة الأمازيغية في شمال إفريقيا من تهميش مزدوج استهدف لغتها (تمازيغت) وهويتها.

1. الكتاب والمستعمرون الفرنسيون:

استخدم الاستعمار الفرنسي الأدب والأنثروبولوجيا لتبرير احتلاله وتفكيك المجتمع المغربي:

"بيير لوتي (Pierre Loti):" كاتب فرنسي زار المغرب وكتب "في المغرب" (Au Maroc). يُمثل لوتي النظرة الاستشراقية الاستعمارية؛ حيث صوّر الثقافة المحلية بطريقة غرائبية (Exoticism)، وتجاهل العمق التاريخي للأمازيغ، مكرساً صورة "النبيل المتوحش" لتبرير "المهمة التمدينية" (Mission civilisatrice) للإمبراطورية الفرنسية.

"روبير مونتاني (Robert Montagne):" عالم اجتماع فرنسي وكاتب كرس أعماله لدراسة الأمازيغ. استخدمت الإدارة الفرنسية دراساته وأدبياته لخلق تفرقة عرقية مصطنعة بين (العرب المستعربة) والأمازيغ (فيما عُرف بالظهير البربري) مع النسيان التام بأمازيغية (العرب) انفسهم عرقيا وإثنيا قبل استعرابهم، بهدف تفتيت المقاومة الوطنية واستيعاب الأمازيغ في الثقافة الفرنسية (Francization).

 2. الكتاب والمفكرون القوميون العرب (ما بعد الاستقلال):

بعد استقلال المغرب، قاد بعض مفكري الحركة الوطنية سياسة "التعريب" الشامل، والتي أدت إلى تهميش الثقافة الأمازيغية باسم الوحدة الوطنية:

"علال الفاسي:" مفكر وكاتب وسياسي مغربي بارز وزعيم حزب الاستقلال (من سخرية القدر أن المنتسبين للحزب كلهم أمازيغ من مناطق هامشية وعلى طول المسار السياسي للحزب كان المصوتين دائما للحزب هم سكان الهامش والبوادي والقرى الأمازيغية). رغم دوره في مقاومة الاستعمار، إلا أن كتاباته وأيديولوجيته القومية العربية رفضت التعددية الثقافية. اعتبر الفاسي وتياره أن الهوية الأمازيغية هي مجرد "صنيعة استعمارية" فرنسية لتقسيم المغرب، وبناءً على ذلك، تم إقصاء اللغة الأمازيغية من المدارس، والإعلام، والمؤسسات الرسمية لعقود.

"الكتاب والصحفيون العروبيون (Pan-Arabists):" ساهم العديد من الكتاب الذين تبنوا القومية العربية في الستينيات والسبعينيات في تهميش السردية الأمازيغية في الأدب الرسمي والتاريخ المكتوب، واعتبروا المطالبة بالحقوق الثقافية الأمازيغية تهديداً لعروبة الدولة المفروضة والاستبدادية القائمة على الاستيعاب القسري ومحو ثقافة الشعب الأمازيغي الخاضع لها..



- الأدب والإمبراطورية: من دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف إلى تهميش الثقافة الأمازيغية في المغرب


لا تكمن المشكلة في أن دوستويفسكي أو تولستوي أو تشيخوف كانوا كتّاباً «سيئين» من الناحية الفنية. الإشكال الحقيقي هو أن الثقافة الروسية الرسمية قدّمت هؤلاء بوصفهم دليلاً على الرقي الأخلاقي والإنساني لروسيا، بينما استُخدمت شهرتهم لحجب تاريخ الإمبراطورية الروسية القائم على الغزو والاستيعاب القسري ومحو ثقافات الشعوب الخاضعة لها.

تصف الكاتبة الأوكرانية هالينا كروك مؤلفات بوشكين ودوستويفسكي وتولستوي بأنها أصبحت، في السياسة الثقافية الروسية المعاصرة، أشبه بـ«دروع» تحمي جيش بوتين: تُصدَّر صورة «الروح الروسية العميقة» إلى العالم، فيما تُخفى خلفها أعمال الاحتلال والتعذيب وتدمير المدن الأوكرانية. ويرى الفيلسوف الأوكراني فولوديمير يرمولينكو أن أسطورة الأدب الروسي العظيم خلقت صورة شعب شديد الحساسية والروحانية، لكنها حجبت الجانب السادي والاستعماري في الثقافة السياسية الروسية.


- دوستويفسكي: الأدب بوصفه لاهوتاً للإمبراطورية

يمثل فيودور دوستويفسكي أوضح مثال على ارتباط الكاتب الروسي الكبير بالمشروع الإمبراطوري. ففي مقالاته السياسية، وخصوصاً في «يوميات كاتب»، لم يكتفِ بالحديث عن الروحانية الروسية، بل مجّد توسع روسيا واحتلالها أراضي الشعوب المسلمة والآسيوية.

احتفى دوستويفسكي بالاستيلاء الروسي على قازان، ودعا إلى إخضاع القسطنطينية للقيصر، واعتبر أن الشرق الأرثوذكسي ينبغي أن يتبع روسيا. كما رحّب بما سمّاه «تهدئة» التركمان، أي إخضاعهم بالقوة، وعبّر عن منطقه الاستعماري بوضوح عندما كتب أن الروس كانوا يُعاملون في أوروبا كـ«تتار»، لكنهم في آسيا يصبحون «أوروبيين». وهكذا منح الاحتلال الروسي معنى دينياً وحضارياً، مقدماً روسيا بوصفها شعباً مختاراً يملك حق السيطرة على جيرانه.

كما تشير الشاعرة الأوكرانية ناتاليا بيلتشينكو إلى أن دوستويفسكي حوّل الانغماس في القبح والمعاناة إلى فضيلة روسية خاصة، بحيث أصبحت المعاناة التي يفرضها المرء على الآخرين جزءاً من بحثه المزعوم عن التطهير الروحي.


- تولستوي: كاتب متناقض بين الإمبراطورية ونقدها

حالة ليف تولستوي أكثر تعقيداً. فمن جهة، يمكن قراءة «الحرب والسلام» باعتبارها رواية تمنح الإمبراطورية الروسية شرعية تاريخية وأخلاقية، وتجعل توسعها وانتصاراتها محوراً طبيعياً للتاريخ، بينما تختفي تقريباً تجارب الشعوب غير الروسية الخاضعة لها. وقد وصفت الباحثة إيفا تومبسون الرواية بأنها نموذج للسرد الاستعماري الذي يثبت مكانة روسيا الإمبراطورية ويدفع الشعوب التابعة إلى الهامش.

لكن تولستوي المتأخر لم يبقَ أسيراً لهذا المنظور. ففي رواية «الحاج مراد» وصف بتفاصيل قاسية تدمير الجيش الروسي لقرية شيشانية: المنازل المحروقة، الطفل المقتول، المسجد والنافورة اللذان دنّسهما الجنود. لذلك لا يمكن وضعه ببساطة في خانة الدعاية الإمبراطورية؛ فهو في الوقت نفسه ابن للإمبراطورية وشاهد على جرائمها وناقد لها.


-  تشيخوف: مشكلة الاستحواذ الروسي أكثر من عداء الشعوب

إدراج أنطون تشيخوف ضمن القائمة نفسها أقل إقناعاً. فبعض الباحثين الأوكرانيين يقدمونه بوصفه كاتباً ذا جذور أوكرانية استطاعت الثقافة الروسية الاستحواذ عليه ومحو العناصر الأوكرانية من سيرته وأعماله.

تقرأ أوكسانا زابوجكو قصة «الرجل في غلاف» بوصفها نقداً مباشراً لروسيا القيصرية ولسياسة حظر اللغة الأوكرانية بعد مرسوم إمس. في القصة، يجلب المدرّس الأوكراني كوفالينكو وأخته الأغاني والكتب والحيوية والدراجات إلى مدينة روسية راكدة يسيطر عليها الخوف والرقابة. ووفق هذه القراءة، لم يكن تشيخوف عدواً للثقافات غير الروسية، بل كان يشخّص انغلاق المجتمع الروسي واستبداده.

لذلك يمكن تلخيص الاختلاف على النحو الآتي: كان دوستويفسكي منظّراً صريحاً للإمبراطورية؛ وكان تولستوي كاتباً متناقضاً انتقل من السرد الإمبراطوري إلى فضح العنف الاستعماري؛ أما تشيخوف فالمشكلة الأساسية تتعلق باستحواذ روسيا عليه واستخدام اسمه ضمن «الكانون الروسي العظيم»، أكثر مما تتعلق بعداء مباشر للأوكرانيين أو للشعوب المستعمَرة.


-  المقارنة مع المغرب والثقافة الأمازيغية

توجد في المغرب ظاهرة مشابهة، لكن عبر مسارين مختلفين ومتداخلين: "التعريب القومي القسري بعد الاستقلال، والفرنسة  الممنهجة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية". وفي الحالتين، جرى التعامل مع الأمازيغية أحياناً باعتبارها لغة وثقافة ثانويتين يجب احتواؤهما أو تجاوزهما.


-  عبد الله كنون وصناعة تاريخ أدبي عربي حصري للمغرب

يُعد عبد الله كنون، مؤلف كتاب «النبوغ المغربي في الأدب العربي» الصادر سنة 1937، مثالاً مهماً على بناء كانون أدبي مغربي عربي-إسلامي يستبعد الجزء الأمازيغي من تاريخ البلاد.

قدّم كنون كتابه باعتباره أول تاريخ متكامل للأدب المغربي، لكنه حصر مفهوم الأدب المغربي عملياً في النصوص المكتوبة بالعربية الفصحى، وبدأ التاريخ الفكري للمغرب مع الفتح الإسلامي. ونتيجة لذلك، غابت عنه التقاليد الشفوية والأدبية الأمازيغية المغربية الممثلة أيضا في التقاليد والأدب الشفوي بالداريجة المغربية، كما لو أن المغرب لم يمتلك تاريخاً ثقافياً حقيقياً قبل إرغامه وإقحامه الدخول ضمن المجال العربي الإسلامي. لا يعني ذلك بالضرورة أن كنون كان يحمل عداءً شخصياً للأمازيغ، لكن الطريقة التي بنى بها السردية التاريخية الأدبية الوطنية المغربية جعلت العروبة والإسلام معياراً وحيداً للاعتراف بالإنتاج الثقافي المغربي.

وهذا يشبه الطريقة التي قدّم بها الأدب الروسي تاريخ الإمبراطورية على أنه تاريخ «روسيا» وحدها، مع اختزال الأوكرانيين والتتار والقوقازيين وغيرهم إلى شخصيات هامشية أو فولكلورية.


- علال الفاسي والقومية العربية الإسلامية المتجانسة

كان علال الفاسي شاعراً وكاتباً وزعيماً وطنياً بارزاً، لكنه مثّل أيضاً اتجاهاً رأى وحدة المغرب في هوية عربية إسلامية متجانسة. دافع عن سياسة التعريب الممنهجة، ونظر إلى اللهجات الأمازيغية والمتغير اللساني الداريجي والهوية المحلية والقانون العرفي الأمازيغي باعتبارها عقبات أمام الوحدة الوطنية أو بقايا من «الجاهلية».

كان مشروعه موجهاً أساساً ضد الاستعمار الفرنسي، لكنه استبدل في أحيان كثيرة المركزية الفرنسية بمركزية عربية إسلامية، بدلاً من بناء دولة تعترف بالتعدد اللغوي والتاريخ الأمازيغي الهوياتي للمغرب. ولذلك يمكن مقارنته، مع مراعاة الاختلافات الكبيرة، بالمثقفين القوميين الروس الذين قاوموا الغرب باسم «الخصوصية الروسية»، ثم استخدموا هذه الخصوصية لإنكار استقلال الشعوب غير الروسية.


- الفرنسة: المعرفة الاستعمارية بوصفها أداة سيطرة

الفرنسة لم تكن مجرد نشر للغة الفرنسية. فقد أنتج الاستعمار الفرنسي معرفةً إثنوغرافية صنّفت المغاربة إلى «عرب» و«بربر»، وقدمت الأمازيغ أحياناً باعتبارهم أقرب إلى أوروبا وأبعد عن الإسلام. لم يكن الهدف حماية الثقافة الأمازيغية، بل فصل الأمازيغ عن بقية المجتمع المغربي المستعرب وتسهيل السيطرة عليهم.

لهذا يتحدث الباحثون عن وضع الأمازيغ بين طرفين: "الأسطورة الاستعمارية الفرنسية التي استعملتهم، والإنكار القومي بعد الاستقلال الذي همّشهم". فقد روّج الاستعمار لما سُمّي «السياسة البربرية»، وتعاون مع بعض الزعامات المحلية، ثم قدم ذلك بوصفه دليلاً على علاقة خاصة بين فرنسا والأمازيغ.


-  إدمون دوتيه وروبير مونتاني

كان إدمون دوتيه مستشرقاً وإثنوغرافياً فرنسياً وصف المجتمع المغربي بلغة «التخلف» و«البدائية». لم تكن كتاباته ملاحظات علمية محايدة؛ فقد ساعدت في تبرير «المهمة الحضارية» الفرنسية، وتداخل عمله الإثنوغرافي مع حاجات الإدارة والجيش الاستعماريين.

أما روبير مونتاني، مؤلف دراسات واسعة عن التنظيم الاجتماعي والسياسي لدى الأمازيغ، فقد حوّل المعرفة الإثنوغرافية إلى مخطط عملي لسياسة «فرّق تسد». بالغ في إبراز الفصل بين العرب والأمازيغ، وحذّر السلطات الفرنسية من إمكانية توحد المغاربة ضد الاستعمار، وساعدت دراساته الإدارة على اختيار الحلفاء المحليين وطرق إخضاع المناطق الأمازيغية.

وبذلك لم يكن هؤلاء «أعداء للأمازيغ» لأنهم أنكروا وجودهم، بل لأنهم اختزلوا مجتمعاتهم إلى موضوعات للدراسة والإدارة، ووظفوا الاختلاف الأمازيغي لخدمة السلطة الفرنسية.


-  الفرنسة بعد الاستقلال

لم تنتهِ الفرنسة بانتهاء الحماية الفرنسية. فقد حافظت النخبة الفرنكوفونية على الفرنسية كلغة للإدارة والاقتصاد والعلوم والتعليم العالي. وأصبحت الفرنسية وسيلة للترقي الاجتماعي والالتحاق بالنخبة، بينما بقيت الأمازيغية محدودة الحضور في التعليم، رغم الاعتراف الرسمي بها.

تشير دراسات حديثة إلى أن النظام التعليمي المغربي ما زال منقسماً طبقياً: مدارس خاصة وفرنكوفونية للنخب، وتعليم عمومي أقل حظاً لبقية السكان. وتظل الفرنسية مفضلة في العلوم والقطاعات الاقتصادية المهمة، في حين لا تُدرَّس الأمازيغية إلا بصورة محدودة في جزء من المدارس الابتدائية، وغالباً ما تغيب عن المدارس الخاصة.

وقد اعترف دستور المغرب لسنة 2011 بالأمازيغية لغة رسمية وتراثاً مشتركاً لجميع المغاربة، لكن الاعتراف القانوني لم يتحول بعد إلى مساواة فعلية كاملة في التعليم والإدارة والإعلام والسياسة.


- الخلاصة

التشابه بين الحالتين الروسية والمغربية لا يعني تطابقهما. الإمبراطورية الروسية احتلت شعوباً وألغت لغاتها واستعملت أدبها لتبرير رسالة روسية «كونية». أما في المغرب، فقد تعرضت الثقافة الأمازيغية لضغط مزدوج: استعمار فرنسي استعملها لتقسيم السكان وإخضاعهم، وقومية عربية إسلامية همشتها بعد الاستقلال باسم الوحدة.

في الحالة الروسية، يجسد دوستويفسكي بصورة واضحة الأدب الذي يمنح الإمبراطورية رسالة دينية وأخلاقية، بينما يقدم تولستوي مثالاً أكثر تناقضاً، ولا يصح وضع تشيخوف في الخانة نفسها من دون تحفظات كبيرة.

وفي الحالة المغربية يمكن اعتبار عبد الله كنون وعلال الفاسي ممثلين لخطاب عربي-إسلاموي جعل الثقافة الأمازيغية هامشية، بينما يمثل إدمون دوتيه وروبير مونتاني نمط المثقف الاستعماري الفرنسي الذي حول الأمازيغ إلى مادة للمعرفة الاستعمارية وسياسة «فرّق تسد». أما «العدو» الأوسع في الحاضر بالنسبة للهوية المغربية الأمازيغية فليس كاتباً واحداً أو إثنين، بل النظام برمته الذي ما زال يجعل الفرنسية لغة القوة الاجتماعية والاقتصادية، والعربية لغة الشرعية الدينية الوطنية، ويمنح الأمازيغية اعترافاً نسبيا قانونياً أكبر من حضورها الفعلي.

el-masoudy mohamed

إرسال تعليق

شاركنا برأيك, رأيك يهمنا.

أحدث أقدم