لماذا لا نجد مخطوطات أمازيغية قديمة مكتوبة بتيفيناغ؟

يُعدّ غياب المخطوطات الأمازيغية القديمة المكتوبة بحرف تيفيناغ من أكثر الأسئلة إثارة في تاريخ شمال إفريقيا اليوم. فمن جهة، تؤكد الاكتشافات الأثرية بقوة وغزارة وجود الكتابة الليبية-الأمازيغية القديمة، التي تُعدّ الأصل التاريخي لحرف تيفيناغ، في مناطق واسعة من المغرب والجزائر وتونس وليبيا والنيجر ومالي وموريطانيا وجزر الكناري، حيث عُثر على آلاف النقوش الصخرية والجنائزية التي تعود إلى ما قبل العصر الروماني وإلى بداياته.

لكن من جهة أخرى، يكاد الباحث لا يعثر على مخطوطات طويلة أو مؤلفات أدبية أو علمية مكتوبة بهذه الكتابة خلال العصور القديمة أو الوسيطة. وقد أدى هذا إلى ظهور إشكالات عدة وتفسيرات تاريخية مختلفة.



أول هذه التفسيرات أن الكتابة الليبية-الأمازيغية كانت تُستخدم أساساً في النقوش التذكارية والجنائزية والملكية، ولم تتحول إلى نظام كتابة إداري وأدبي واسع الانتشار كما حدث مع اللاتينية أو اليونانية أو العربية لاحقاً. فمعظم الشواهد التي وصلتنا هي نقوش حجرية قصيرة وليست نصوصاً مطولة.

وثانيها أن المجتمعات الأمازيغية اعتمدت لفترات طويلة على الثقافة الشفوية، حيث كانت الأشعار والحكايات والأنساب والمعارف تُنقل بالحفظ والرواية أكثر مما تُدوَّن في الكتب. وهذا لا يعني غياب المعرفة، بل يعني أن وسائل حفظها كانت مختلفة عن النموذج الكتابي الذي ساد في حضارات أخرى.

أما التفسير الثالث فيتعلق بطبيعة المواد المستعملة في الكتابة. فالنقوش الحجرية تقاوم الزمن آلاف السنين، بينما تتلف الجلود والبرديات والأوراق بسهولة بسبب المناخ والحروب والإهمال. ولذلك فإن غياب المخطوطات لا يساوي بالضرورة غياب التأليف.

أثر الحقبة الرومانية:

خلال العصر الروماني أصبحت اللاتينية لغة الإدارة والجيش والقانون في أجزاء واسعة من شمال إفريقيا. ومع توسع المدن الرومانية، ازداد استعمال اللاتينية في المؤسسات الرسمية والتعليمية. ولذلك فإن النخب الاجتماعية التي أرادت الاندماج في أجهزة الدولة كانت تميل إلى استعمال اللاتينية بدلاً من الكتابة الليبية-الأمازيغية. غير أن هذا لا يعني اختفاء الأمازيغية كلغة محكية، بل استمرت في الاستعمال بين سكان شمال افريقيا.

بعض الباحثين يفسرون تراجع الكتابة الليبية-الأمازيغية في الشمال بكونها لم تحظ بدعم مؤسساتي مماثل لذلك الذي حظيت به اللاتينية أو البونيقية قبلها. ومع مرور الوقت أصبحت اللغات والكتابات المرتبطة بالدولة أكثر جاذبية للوظائف والإدارة والتجارة.

أثر الحقبة الإسلامية :

مع انتشار الإسلام في شمال إفريقيا منذ القرن السابع الميلادي، أصبحت العربية لغة الدين والفقه والإدارة والعلوم. وأدى ذلك إلى انتقال جزء كبير من الإنتاج الثقافي الأمازيغي إلى الحرف العربي. وقد ظهرت بالفعل مؤلفات أمازيغية كثيرة مكتوبة بالحرف العربي، خاصة في سوس والأطلس والمناطق الإباضية وغيرها. وهذا يدل على أن الأمازيغ لم يتوقفوا عن الكتابة بلغتهم، بل غيّروا نظام الكتابة الذي يستعملونه.

ومن المهم هنا ملاحظة أن كل من الدول الإسلامية في المغرب والأندلس كانت دولاً ذات أصول أمازيغية، مثل المرابطون والموحدون والمرينيون والبرغواطيين...وغيرهم ورغم ذلك اعتمدت العربية في الإدارة والفقه والوثائق الرسمية، لأن العربية كانت لغة الحضارة الإسلامية المشتركة آنذاك، تماماً كما كانت اللاتينية لغة مشتركة في أوروبا القرون الوسطى بين الدول.

تعرض الأمازيغية للقمع :

توجد دراسات ومناقشات أكاديمية تشير إلى أن العربية تمتعت بمكانة دينية وسياسية أعلى داخل الدولة الإسلامية، وأن ذلك ساهم تدريجياً في تعريب أجزاء واسعة من شمال إفريقيا. كما توجد شواهد تاريخية على فترات أو مناطق تعرضت فيها اللغة الأمازيغية للتهميش الثقافي أو الإداري أو السياسي وحتى الديني.

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن النخب السياسية والأنظمة السياسية «كانا يهاجمان الأمازيغية بشراسة» وقد تمت اللإشارة الى أن «معظم الكتب الأمازيغية المكتوبة بحرف تيفيناغ أحرقت وأتلفت عبر مر السنين» غير أن هذه الحوادث التاريخية لا يوفرها البحث الأكاديمي الحالي بصورة عامة ويتغاضى عن التطرق إليها. فالمؤرخون يفسرون تراجع بعض الكتابات بحرف تيفيناغ غالباً بعوامل متعددة: هيمنة لغات الدولة، التحولات الدينية والثقافية، ضعف المؤسسات التعليمية المحلية، هشاشة المواد المكتوبة وعرقلة انتشارها، وضياع الأرشيفات عبر القرون بسبب الحروب والكوارث والإهمال.

لعل التفسير الأكثر قبولاً اليوم بين الباحثين ليس أن حرف تيفيناغ اختفى بسبب حملة واحدة منظمة للقضاء عليها، بل لأن شمال إفريقيا شهد انتقالاً تاريخياً طويلاً من أنظمة كتابة محلية إلى أنظمة كتابة مرتبطة بقوى سياسية وثقافية أكبر: البونيقية ثم اللاتينية ثم العربية. وفي هذا السياق أصبحت اللاتينية والعربية لغتي الإدارة والعلم والدين، بينما بقيت الأمازيغية حية أساساً في الاستعمال الشعبي الشفوي، ثم دُوِّن جزء مهم منها بالحرف اللاتيني (يمكن الرجوع الى الأدب اللاتيني الذي كتب من شخصيات أمازيغية من شمال أفريقيا) في العصر الروماني وبالحرف العربي خلال العصر الإسلامي. أما النقوش الصخرية القديمة فقد نجت لأنها منقوشة على الحجر، بينما اختفت معظم الوثائق التي كانت مكتوبة على مواد قابلة للتلف.

المراجع والمصادر:

Inscriptions libyco-berbères en milieu rupestre au Maroc

دراسة أكاديمية تناقش النقوش الليبية-الأمازيغية في المواقع الصخرية بالمغرب. تركز على توثيق هذه النقوش، تحليل انتشارها، ومحاولة فهم تطورها التاريخي ووظائفها الثقافية والدينية، إضافة إلى اقتراح آفاق جديدة للبحث الميداني.

مقال في مجلة أثرية مغربية يتناول النقوش الليبية-الأمازيغية من منظور تاريخي وأثري، مع إبراز أهميتها في فهم تطور الكتابة والثقافة في شمال إفريقيا، وخاصة في السياقات المحلية القديمة.

دراسة علمية مفتوحة تناقش التعدد اللغوي والثقافي في شمال إفريقيا خلال الفترة الرومانية، وكيف تفاعلت اللغة الأمازيغية مع اللاتينية واليونانية في سياق الإمبراطورية الرومانية.

نموذج توثيقي لمخطوط أمازيغي (تاشلحيت) مكتوب بالحرف العربي، يعكس مرحلة من مراحل انتقال الكتابة الأمازيغية وتأثرها بالخط العربي في السياق الثقافي المغربي.

el-masoudy mohamed

إرسال تعليق

شاركنا برأيك, رأيك يهمنا.

أحدث أقدم